النويري
174
نهاية الأرب في فنون الأدب
خشيت على نفسي ، فقالت خديجة : كلَّا واللَّه ، ما يخزيك اللَّه أبدا ، إنك لتصل الرّحم ، وتحمل الكلّ ، وتكسب المعدوم ، وتقرى الضيف ، وتعين على نوائب الحق ، فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزّى ابن عم خديجة ، وكان امرءا تنصّر في الجاهلية ، وكان يكتب الكتاب العبرانىّ « 1 » ، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء اللَّه أن يكتب ، وكان شيخا كبيرا قد عمى ، فقالت له خديجة : يا بن عم اسمع من ابن أخيك ، فقال له ورقة : يا بن أخي ، ماذا ترى ؟ فأخبره رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم خبر ما رأى ، فقال له ورقة : هذا الناموس الذي أنزل اللَّه على موسى ، يا ليتني فيها جذعا ، ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك ، فقال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : أو مخرجىّ هم ؟ قال : نعم ، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي ، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا ؛ ثم لم ينشب ورقة أن توفى ، وفتر الوحي . قال ابن شهاب « 2 » : وأخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن جابر بن عبد اللَّه الأنصارىّ قال وهو يحدّث عن فترة الوحي ، فقال في حديثه : بينا أنا أمشى إذ سمعت صوتا من السماء ، فرفعت بصرى فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسىّ بين السماء والأرض ، فرعبت منه ، فرجعت فقلت : زمّلونى زمّلونى ، فأنزل اللَّه : * ( ( يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ ورَبَّكَ فَكَبِّرْ وثِيابَكَ فَطَهِّرْ والرُّجْزَ فَاهْجُرْ ) ) * ، فحمى الوحي وتتابع . قال محمد بن إسحاق « 3 » : وحدّثنى إسماعيل بن أبي حكيم مولى آل الزّبير أنه حدّث عن خديجة أنها قالت لرسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : أي ابن عم ، أتستطيع أن تخبرني بصاحبك هذا
--> « 1 » رواية البخاري 6 : 174 : « وكان يكتب الكتاب العربىّ ، ويكتب من الإنجيل بالعربية ما شاء اللَّه » . « 2 » لا يزال النقل عن صحيح البخاري 1 : 7 . « 3 » نقله ابن هشام في السيرة عنه 1 : 254 .